صديق الحسيني القنوجي البخاري
223
أبجد العلوم
وفدت مع جماعة من بني تميم على النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - فدخلت عليه وعنده الصلصال بن الدلهمس ، فقلت : يا نبي اللّه ، عظنا موعظة ننتفع بها فإنا قوم نغير في البرية . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « يا قيس إن مع العز ذلا ، وإن مع الحياة موتا ، وإن مع الدنيا آخرة ، وإن لكل شيء رقيبا ، وعلى كل شيء حسيبا ، وإن لكل أجل كتابا ، وإنه لا بدّ لك يا قيس من قرين يدفن معك وهو حي ، وتدفن معه وهو ميت ، فإن كان كريما أكرمك وإن كان لئيما أسلمك ، ثم لا تحشر إلا معه ، ولا تسأل إلا عنه ، فلا تجعله إلا صالحا ، فإنه إن صلح أنست به وإن فسد لا تستوحش إلا منه وهو فعلك » . فقال : يا نبي اللّه ، أحب أن يكون هذا الكلام في أبيات من الشعر نفخر به على من يلينا من العرب وندخره . فأمر النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - من يأتيه بحسّان فاستبان لي القول قبل مجيء حسان ، فقلت : يا رسول اللّه قد حضرني أبيات أحسبها توافق ما تريد فقلت : تخيّر خليطا من فعالك إنّما * قرين الفتى في القبر ما كان يفعل ولا بدّ بعد الموت من أن تعدّه * ليوم ينادي المرء فيه فيقبل فإن تك مشغولا بشيء فلا تكن * بغير الذي يرضى به اللّه تشغل فلن يصحب الإنسان من بعد موته * ومن قبله إلا الذي كان يعمل أقول : روى البخاري عن أبيّ بن كعب : قال : قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - : « إن من الشعر حكمة » . ولا يخفى على حكماء الكلام ، والماهرين بسرائر الأقلام أن بعض الشعر وهو الذي كان محمودا شرعا مندرج في مفهوم الحكمة ، لأن مفهوم الشعر أخص من وجه من مفهوم الحكمة ، والمقصود من هذا الكلام بيان فضيلة الشعر . فينبغي أن يقع الشعر مخبرا عنه ، ويكون مقدما في الذكر . وحق العبارة أن يقال : بعض الشعر حكمة ، ولكن قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إن من الشعر حكمة » فأبقى التقدم اللفظي على أصله للاهتمام بشأن الشعر وإفادة الحصر وقلب الأسلوب المعنوي ، وجعل الحكمة مخبرا عنه للمبالغة في مدح الشعر ، أي ماهية الحكمة بعض الشعر ، فلزم أن يكون أفراد الحكمة بأسرها بعض الشعر ومندرجة تحته ، فإن اندراج الماهية مستلزم لاندراج جميع الأفراد . وقصد - صلّى اللّه عليه وسلم - من إفادة الحصر بتقديم الخبر وإيراد الكلام على أسلوب التأكيد مبالغة ، فيكون معنى الكلام الأقدس : إنما الحكمة بعض الشعر . وللّه لطف ما أودعه صاحب جوامع الكلم - صلّى اللّه عليه وسلم - كلامه وهو أن المبالغة لها مناسبة بالشعر ، فراعى - صلّى اللّه عليه وسلم - هذه المناسبة الشعرية في كلام أورده في مدح الشعر ، وأفاد سندا كاملا لجواز المبالغة إذا اقتضت مصلحة دينية . ومثله قوله - صلّى اللّه عليه وسلم - : « إن